سنطة مناع . بقلم الأديب / أحمد البدري

سنطة مناع

كنًا صغاراً نصنع ممرا حريريا  بأحذيتنا البالية  وسط النخيل ؛كى نتلاشي صعوبة الطريق بين منازلنا وبين المدرسة .السابعة صباحا تبدأ رحلة العدو والركض بين الحقول .نحاول قطع المسافة فى أقصر زمن ..نختلس الوقت ‘ وعندمانصل أمام (سنطة مناع) ينحرف مسار أقدامنا تلقائيا نحو السنطة .      
     نلتقط أنفاسنا أسفلها  .. نستظل بظلها الوافر..نلتقط حبات (القرضة)   الساقطة بجوار جذعها المتشعب الجذور . نترك لأجسادنا حرية الاستلقاء  حول الجذع  ؛  فتتشكل الأجساد بخطوطه   ‘ بينما تتاخذ أقدامنا من جذورها مرسى ‘ او يمتطي  بعضنا  تلك الجذور  كحمار محاولا  إبعاد ملابسه وأرجله عن جدول الماء الجاري أسفلها ، فى أول الأمر ينهر بعضنا البعض  محذرين الاقتراب من البرادة حتى لايتلوث ماءها .نخرج زجاجتنا الفارغة نملؤها بمائها الزلال . نمد أكفنا نقطف منها ، نرشف حتى نرتوي ، نزيل ّاثار الركض من على وجوهنا المعروقة ..نتسابق فى صيد الزهرات الصفراءمن  الماء ، من يجمع أكبر كمية ؟  نتشاجرقليلا نعكر  ماء البرادة والجدول .نبنى قصورا من الطين داخلهما، أو نستخرج  منهما كميات من الطين نلون به جذع السنطة . هذا لا يمنع إتساخ ملابس احدنا بالطين والماء .يدركنا وقت   الطابور الصباحى، فنهرول جميعا إلى المدرسة التى تبعد أمتارا قلائل من السنطة .ينسى البعض جزء من أدواته بجوار جدول الماء . نصل إلي المدرسة متأخرين نصنع طابورا جديدا للغير ملتزمين .تنهال علينا عبارات التوبيخ وأحيانا ضربات خفيفة من الناظر .ينظر بعضنا إلي بعض ،نتهامس ونتغامز على من لطخت ملابسه بالطين  .
يستمر حديثنا عنها هياما وعشقا ، حتى ظن أحدنا انها من أشجار الجنة  لما تحويه من ألوان زاهية  ومتعددة . 
نظل هكذا حتى إنتهاء اليوم الدراسى لا سيرة لنا إلا السنطة  وما حولها.
 بعد إنتهاء اليوم الدراسى  يكون أمامنا متسعا من الوقت للهو حولها من جديد .
ظلت السنطة حدث فى حياتنا حتى بلغنا المرحلة الثانوية.نمارس أسفلها طقوسنا وألعابنا . ظنا منا أنها تشاركنا حكايا ت الأمس والغد .
كنا نتخذ من جذعها لوحة لخربشاتنا بأظافرنا وتلوين القلوب المخترقة بالسهام بالطباشير المسروق .

تفرقنا ..صرنا شبابا، لكنها تجمعنا فى لقاء أسبوعى .نأتى إليها محملين بأحزاننا وأفراحنا وأحلامنا . نفترش ظلها نشركها ما فى جعبتنا .
نعاود لهونا وشكوانا لأعوام عدة................
أصبح الطريق عمومى معبد، تتنشر على جانبيه أعمدة الإضاءة الحديثة
نتوقف أمامها نشتاق لأيام خلت وعمر ولى. 
أنتشرت حولها الغابات الخرسانية . يوما ما جفت عين الماء ، ردم الجدول،صارت عجفاء ،تلاشت ألوانها، ما عادت تطرح ،تكسرت أطرافها.
أنشغل عنها الجميع  ، ظلت وحيدة . ذات صباح حاصرتها أسوار الطوب اللبن
من كل إتجاه .شكلت دائرة هى مركزها  ، ضاقت الدائرة ، كادت أن تقتل، لم يتحرك أحد لنجدتها. الوحيد الذى يأتى إليهاعلى فترات متباعدة (صبى الفحام )
؛كى يستأصل جزء منها .   ظلت تقاومه ترفض الموت أو الاستسلام .

#من مجموعة شجر السنط لايموت   ٢٠١٤

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عطشان . كلمات الشاعر القدير / عدلي جعران

سلام لوطن . بقلم الشاعر القدير/ محمود محمد العوض